يا إلهي ما أجمل صنعك.
أعطيتَ للعصافير سلالم موسيقية،
ووهبتَنا الإنصات فتحلّق أرواحنا.
رغم الحروب ابتسمنا،
ومن الدمار الذي يحيط بنا صنعنا زوارق نجاة،
ورغم صراخ الموج على الشطآن قرّت أعيننا.
حبيبتي مشغولة، لا بدّ أنّها ترتّب مكيدة.
عرفتُ ذلك حين رأيتُ في عينيها الماء
تنوي بنا الطوفان.
كان لي حلم كتبته مرة على طائرة ورقية.
أقلعت واختفت في السماء،
وإلى الآن أجرّ خيطها بيدي.
لماذا لا تأتي؟
من كلّ شيء أنتِ وحدكِ الغائبة.
وجهكِ يقيم في مرآة عيني،
صوتكِ يملأ الغرف والردهات،
يمرّ الضوء من خلالكِ فلستِ ظلًّا.
أنتِ هنا في كلّ شيء، حتى في تفاصيلكِ الصغيرة،
فلماذا تفرطين في الغياب؟
لا أدري كم كان الفقد موجعًا،
لكنّني ما زلت أنزف.
لا أدري متى يأتي سعد الخبايا.
حاولتُ أن أجدكِ بكلّ ما أوتيتُ من خيال.
جسدكِ كان ضبابيًّا، سحنتكِ آذارية،
عيناكِ واسعتين يسيل العتيم من طرفيهما.
كنتِ تشبهين الظلّ: كلّما مددتُ يدي ينكمش.
لا يحبّ الغرف، وأنا أبحث عنكِ في الخلوة.
لا تهتمّي.
الاعتذارات تأتي من نوايا الغياب.
البارحة كان المطر غزيرًا،
واليوم غيم صنع للشمس نصيفًا نُرى من خلاله.
المدينة خالية من الضجيج،
واحتمال هدوئين يؤجّج الوحدة.
الجدران صارت لحدًا يتلو على تلاشيكِ رقيةً سماوية.
رغم غيابكِ المطلق أنتِ حاضرة،
فكيف لا أُحسن الحديث معكِ؟
دون أقراطكِ سقط صوتي،
فلمّمته العصافير،
وما زال الصوت والأقراط على أغصان الريح.
في حضوركِ الطاغي نسيتِ شيئًا منكِ.
لا أدري أتركتِه لي، أم أنّني أربكته.
عاد الطائر وحام حول مكانكِ،
وخفقات أجنحته تقول:
«على غصنها تركتُ صباحي،
فكيف أجيء بتغاريدي؟»
يتكاثر الهذيان ليموت وحيدًا على الأوراق.
يقول: رأيتُ مجاعة العالم… أين؟ في خصرها.
سأنفرد، ومن بعيد أراكِ تضحكين
حتى يسيل الكحل على نهاراتكِ،
وتضيئين كقنديل شحّ زيته.
أسهر تحت الغيمة الرمادية التي تحجب القمر،
وأنتِ تزهرين في الأصص حبقًا وزنبقًا،
تعطّرين العابرين والرصاص الذي يبحث عنكِ في صدري.
ظننتُ أنّني نسيت،
ثم بكيت هستيريًّا.
كنتُ واهمًا.
أمسكتُ بتلابيب الغياب وقلت:
خذ ثأرك من دمي،
ثم أعدهم إلى عينيّ.
تركتُ لفيروز ترتيب الصباح
(حبيبي بدو القمر).
أيقظتني الشمس والنافذة.
المدينة هذا الصباح ارتدت ثوب القرية،
مطرّزة بالهدوء،
وعلى رأسها منديل من موشحات فيروز.
لمن هذا الظلّ؟
لو تريّثتُ قليلًا لصنعتُ له درجًا من خواطري،
غيمةً على أرجوحة تطوّحها الريح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق