ورود الديدحان (قصة حلم)
صفحة 1
صفحة الغلاف ورود الديدحان (قصة حلم)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواية مستمدّة أحداثها من الذاكرة الشفوية، جُمعت من روايات الأجداد والجدات عام 1987.
------------------------
الفصل الأول: وترٌ على حافة الريح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث تمتد الشمس والرمال كصفحة بيضاء شاسعة لا نهاية لها ولا يترك عليها الزمن أثر الريح و العابرين، وُلد ناصر.
كان ثائراً يحمل في أعماقه مجهولاً لا اسم له.
مرهفاً
كأن روحه وترٌ مشدود على حافة الريح.
وفي صمته كأنما يصغي إلى نداء لا يسمعه سواه وسؤال طويل.
في عينيه جمالٌ فاتن ورزانةٌ هادئة توحي بثورةٍ على شيءٍ ما،
وفي نظراته البعيدة فراغٌ لا يستطيع أحد أن يملأه.
أحبّ جواد أبيه «العبية» حباً يكاد يكون سراً.
حبًّا تجاوز إعجاب الفتى بفرس أصيلة
لم يكن حبًا عابرًا لفرس أصيلة وجميلة.
تألف قدومه من بعيد؛ تلتفت إلى وقع خطاه قبل أن يقترب،
تفهم خطاه قبل أن يصل إليها
ش
فترفع رأسها شموخاً إذا رأته
وكلما اقترب ومسح جبينها بيمينه ولمس شفتيها بيساره،
تسند رأسها إلى صدره كأنها تستمد منه حنانه
أو تبحث عن راحة من ثقل ما تحمله في بطنها.
مضت أشهر على لقائها الحميمي مع «كحيلان»
الذي صفا نسله بين الخيل الأصائل..
كان يدعو الله أن تضع مهراً ذكراً،
ويتساءل:
ما اسمه؟
أيسميه بلونه؟
أم بعلامة ما ؟
أم بشيء لا يراه أحد غيره؟
ويتساءل : ماذا أسميه؟ ام سيحدده لونه او علاماته
أريد اسماً يليق بابن كحيلان والعبية.
اسمًا لا يكون مجرد اسم.
(1)
يراقبه أبوه ويعنى بتصرفاته. رأى فيه شيئًا يعرفه جيدًا.
ربما لأنها فريدة محمودة،
أو لأنها تذكره بشبابه الذي انطوى
يؤمن بأن الرجل لا يعيش كما يشتهي،
لقد عرف القحط وتقلب السنين ومكر الرجال،
وخرج من النكبات بما جعله شديد الاعتداد بنفسه،
لا يرضى أن يُداس له طرف.
لكنه تعلّم من تجربته أن الرجل لا يعيش كما يشتهي دائمًا،
وأن ما ينجو به المرء في زمن قد يثقله في زمن آخر. لم يكن يريد لابنه أن يعيد حياته بحلوها ومرّها،
ولا أن يرث عنه المعارك نفسها ثم يظن أن ذلك هو الطريق الوحيد للرجولة.
يمضي ناصر معظم النهار وحيداً خارج المضارب،
فلا يعود إليها إلا بعيد المساء.
يدخل متباطئ الخطى كمن يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً،
كأنّه يمشي على رمالٍ تبتلع وقع أقدامه. يلقي السلام بصوت جهوري،
ثم يخرج بتباطؤ أشد.
يمسك الحبل بأنامله، فيشعر به ينفلت شيئاً فشيئاً كلما اقترب من الوتد.
يكلفه أبوه بتفقد الأغنام في المساء. بينها حملان رفضت أمهاتها إرضاعها،
فصار عليها أن تنافس على البقاء، أو تموت جوعًا.
ناصر يراقبها وهي تتزاحم على الضرع؛ يتقدّم الأقوى ويدفع الأضعف إلى الخلف،
ثم يستقرّ الأمر كأنه قانون لا يملك أحد تغييره..
ظفر الأقوى، فتبدّت شريعة الانتقاء القاسية قانونًا لا يرضاه..
طرد الأقوى يفسح الطريق للضعيف،
ما يحدث أمامه ليس عادلًا، وأنه يستطيع، ما دام حاضرًا
يردّ على قانون الطبيعة بقانون آخر.
إذا انتهى من عمله، استلقى على الأرض الباردة ورفع بصره إلى السماء.
كانت النجوم تتوزع في اتساعها،
لكنه لم يكن ينشغل بها كلها.
كان يبحث عن الزهرة، ويتأملها طويلًا.
يجذبه صفاؤها وثباتها الظاهر،
يشعر أمامها أن شيئًا في هذا الكون يستطيع أن يبقى بعيدًا عن الإضطراب .
نظره إلى السماء يراقب النجوم تعيده «العبية» بصهيلها الرقيق إلى عالمه المبهم، فيستيقظ من تأملاته كأنّه عاد من سفرٍ بعيد.
(2)
يدخل البيت متجهاً إلى المحرّم.
تستقبله أمه بوجه متعب لكنه مضيء،
وتعيد جدل ضفائره السوداء الطويلة بأصابع طيبة
تعرف كل خصلة كما تعرف نبض قلبه. تخاف عليه أكثر مما تخاف على نفسها.
لا تفعل ذلك لأن شعره يحتاج إلى ترتيب فحسب،
بل لأن لمس رأسه يمنحها لحظات تشعر فيها أنه ما زال قريبًا منها،
وأن الحياة لم تنتزعه منها بعد.
لم يكن في سلوكه ما يشي بطيش ظاهر أو رغبة في إيذاء،
لكن صمته الطويل كان يوقظ في قلبها قلقًا لا تعرف له سببًا.
تشعر أن في داخله عاصفة عاصفة قادمة لا محالة،
وأن يومًا سيأتي فلا تستطيع أن تمنعها من الخروج.
سيذهب بعيدًا. لا تعرف إلى أين. لكن بعيدًا. تهمس لنفسها وهي تجدل شعره ببطء: «يا رب احفظه من نفسه... يا رب لا تأخذه مني قبل أن يكبر».
لم يكن ناصر يسمع الدعاء ، كان يشعر بأثره في أصابعها حين تطيل لمس شعره،
أو حين تتوقف فجأة كأنها تذكّرت شيئًا مؤلمًا.
كان وحيداً لأمه بعد موت إخوة سبقوه، وله أخت صغيرة تشاطره دلالها. تجلس بجانبه تراقبه بصمت عميق، تتعلق به كما يتعلق الخائف بشيء ثابت في الظلام.
ثم تمد يدها الصغيرة وتمسك بطرف الضفيرة كأنها تريد أن تثبت أخاها في مكانه وتمنعه من الرحيل. تشعر بحدس غريب أن أخاها ليس من هذا العالم تماماً، وأن شيئاً كبيراً ينتظره بعيداً.
(3)
الفصل الثاني: نذير الشؤم ورائحة الموت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تكاد الأم تنهي جدل ضفائره
حتى تأتي زوجة أبيه بالعشاء.
العادة تحتم عليه أن يكون جائعاً في مثل هذا الوقت،
إلا أن جوعه مختلف عن سائر البشر؛
جوع يدفعه إلى الخروج من المحرم إلى الربعة
حيث الرجال والأحاديث والنار. تتبعه أمه بالطعام، فلا يجد بداً من تناوله.
ينهي طعامه بصمت يلفه الغموض،
ويراقب أباه بتخوّف خفي. ينهض فجأة لاستقبال رجال الحي
الذين اعتادوا أحاديث السهر في ربعة أبيه.
لا يتجاوز عددهم في معظم الليالي أصابع يديه.
يطوف عليهم بالقهوة المرة المنكّهة بالهيل كبخور قديم،
والفناجين تهتز في أيديهم تعبيراً عن الرضا. هم أقرباؤه وسنده في عالم لا يكفّ عن التغيّر،
لوحٌ محفوظ يقرأ فيه. الحكايات القديمة تعود كل ليلة بوجه جديد.
يتحدثون كثيرًا عن جدّه «ثاني»، وعن جلده في تحمّل نوائب الدهر،
وعن صبره على الجراح والم يدك الجبال. يرى ناصر هذه الأحاديث عبر خيطٍ أسود رفيع أحاديث عن الغزو والدم والجراح والخيل. كشريطٌ دموي يمتد عبر التاريخ موشى عليه أثر سنابك الخيل يمتد عبر الأجيال والزمن.
كلما ظن أن الحكاية انتهت، ظهر منها طرف آخر؛
وكلما سمع اسم رجل قديم، تخيّل أن أثره ما زال يتحرك في الأرض التي يمشي عليها.
في تلك الأيام الغابرة كانوا مرتحلين إلى وجه الشمس،
أغارت خيول الغزاة بغتة.
فارتاعت الإبل، وانتفض فرسان الحي كأسود الغاب.
(4)
حمي الوطيس، احتدم القتال، خُضبت السيوف بالدماء،
وشُكت الرماح في اللحم والعظم.
كان رجال الحي يقاتلون دفاعًا عن أنفسهم وقطعانهم، وكان في اندفاعهم ما يبعث الفخر في نفس ناصر. فخراً سرعان ما يمحوه الحزن.
في احتدام المعركة طُعن جدّه «ثاني» برمح في رجله،
فنزعه بقوة ،
ليطعن رمح آخر جواده فيسقطان معاً.
حاول ثاني أن ينهض،وأنّى له ذلك؟
فسنابك الخيل فتاكة
أسقطته ثانية فتهاوى فاقد الوعي وسط غبار المعركة..
أما قومه، فواصلوا مطاردة الغزاة حتى تفرّقوا في الآفاق.
هدأ القتال، حمد المنتصرون الله، ثم بدأوا يتفقدون رجالهم.
لم يعثر العبيد على سيدهم ثاني حيًّا بين القتلى،
كانت الدماء قد غطّت وجوهًا كثيرة حتى صار التمييز بينها عسيرً
انتصروا، فحمدوا الله واحتسبوه وكيلاً على ما جرى.
النصر دائماً ثمنه غالٍ.
يتابع القوم المسير حاثّين الخطى نحو نجعتهم،
أما ثاني، فقد استعاد وعيه بعيدًا عنهم، مثخنًا بجراحه، وزحف إلى كهف قريب ساقه إليه القدر. ليتخذه مأوى. كان الكهف قد سبقه إليه شاة عجفاء مرضع تركها أصحابها في أرض مجدبة إلا من شجيرات رمث عند حواف غدير و ماء شحيح. أمسك الطعين بحملها الصغير وربطه إلى جانبه طمعًا في أن تعود أمه، فينال من لبنها قطرات تبقي فيه بقية من حياة. مرت الأيام بطيئة كظل يزحف على الرمل،
ازداد الجرح سوءًا، ولم تفلح مياه الغدير ولا الأعشاب البرية في إيقاف تقيّحه.
كان الألم ينهكه، والوحدة تثقل عليه،
لكنه ظلّ يتشبث بالأمل في أن يمرّ أحد من أهله أو أن تقترب نجعتهم من المكان.
نظم ثاني قصائد كثيرة يمجّد فيها قومه وبأسهم، وكثيراً ما أنشد بصوت خافت شوقاً لابنه وأختيه الصغيرتين.
5
مرت أيام وليالٍ وشهور طويلة
ولم يمر أحد بهذه الأرض القاحلة،
لكن أمله في رؤية أهله في تغاريبهم الموسمية ظل كبيراً.
ذات مساء سمع ثغاء الأغنام ورغاء الإبل يقترب.
خرج من كهفه متعثراً.
تعرّفت إليه ناقة شقحاء من إبله،
وضعت رأسها على صدره واشتمت جرحه العميق. فكاد ينسى ألمه للحظة طويلة.
نزل أهله تلك الأرض ونحروا القرابين متتالية شكراً لله،
لكن الجرح كان قد تجاوز حدود الشفاء.
عاش الجرح أطول من صاحبه.
حمله ثلة من أقربائه على ظهور الإبل إلى المدينة البعيدة...
لكن الأجل وافاه في الطريق.
ترك وصيته الأخيرة مع من حمله ميتاً إلى أهله.
يسمعها كل ليلة كأنها تحدث الآن
مرت الأحداث في خاطر الزمن
كأنما طواها النسيان أو أخفاها الغبار.
يتنحنح الأب، فيقوم ناصر ليطوف بالقهوة على الرجال الجالسين حول النار.
تهتز الفناجين في أيديهم السمراء.
يضع الدلة بجانب الجمر،
ويلقي أعواد النيتول اليابسة فينفجر اللهب صاعداً.
ثم يعود إلى مكانه صامتاً يتساءل في سره:
لماذا يكون الدم شريعة حينًا، وخطيئة حينًا آخر؟
«لماذا طرد والدي العبيد؟» و السؤال يكبر داخله:
أراد أن يسأله، لكنه خشي أن يُفهم السؤال اعتراضاً،
فابتلع السؤال.
ينصرف الساهرون واحداً إثر آخر.
يخلد الأب إلى النوم،
وتبقى الأفكار تقض مضجعه كشوك تحت جلده.
6
يرتشف ثلاثة فناجين مرة،ويتكئ على الشداد.
يسمع صهيل العبية المنهك.
ينظر إليها في ضوء القمر الخافت؛
أرهقها المخاض، آن أوانها، وامتلأ جسدها بالوجع. يطول انتظاره،
يقعي على حجر يتبدل عن مكانه،
يجلس القرفصاء،
يرفع رأسه إلى السماء فيرى نجمة القدر وقد تبدل مكانها.
تزداد هواجسه يبددها بكاء أخيه الصغير عويد،
الذي ما انفك الأب يقدّم من أجله القرابين لله
يستجلب الحكماء من البادية والقرى ويأخذه مراراً إلى المدن البعيدة...
دون جدوى.
كان الصبي هزيلاً قد أنهكه السقم حتى صار ظلاً لنفسه.
يحدث صمت مفاجئ. صمت قد ابتلع النزل كله.
تكف العبية عن أنينها.
ينهض ناصر ويتقدم نحوها،
إلا أن نحيباً حاداً يعيده على أعقابه إلى المحرم. لقد مات عويد.
أخذت الأحضان تتناوبه،
والدموع تبلّل وجهه الصغير البارد.
لقد عجّل بالرحيل كأنما استعجل اللحاق بمن سبقه.
خرج ناصر من المحرم.
ذهب الى وادٍ صغير جاف لا اسم له ولا أثر.
عاد وقد صمت كل شيء.
حتى الإبل والأغنام توقفت عن الاجترار.
نظر إلى السماء فبدت نجومها وكأنها تغور في العتمة،
إلا نجمته... تبدو ثابتة بقيت في مكانها. لم تخطفه هذه المرة من عالمه.
كان النحيب أقوى من أي نجم، وزفرات أبيه أعتى.
قال الأب بصوت مبحوح:
«ناصر... عد إلى فراشك ان غدا يوما كليل ».
7
ناصر لم يتحرك فيه شيء غير قلبه ودموع تنسكب دون إذن.
ضمّه الأب بقوة فازداد نحيبهما.
اندس ناصر تحت لحافه،
لكن زفراته الحارة
وصلت إلى مسمع أبيه الذي خرج إلى العراء
حيث لا يسمعه أحد.
وقف وحيداً تحت السماء يتفرّغ لحزنه.
عاد إلى ربعته وأضرم ناراً كبيرة أثارت ريبة الجار.
دخل جاره وعلم بما حدث فقدّم مواساته وخرج ليخبر الحي.
وقعت عينا جارهم على مهر وليد يقف مترنحاً إلى جانب أمه.
نظر إليه طويلاً ثم قال بصوت عالٍ كمن يلقي حكماً:
«هذا نذير شؤم».
نحت هذا التشاؤم في قلب ناصر نقشاً إلى الأبد. تجمّع أهل الحي مع طلوع الصباح.
حفروا للفقيد لحداً عميقاً في الأرض الصلبة،
غسلوه بماء دافئ، ونثروا على جسده الهزيل العنبر والحناء والمحلب
فاحت منه رائحة طيبة تخفي شيئاً من رائحة الموت.
كفّنوه بقطعة قماش بيضاء،
صلّوا عليه صلاة الجنازة بصفوف متراصة،
قرؤوا الفاتحة على روحه بصوت خفيض،
ثم واروه الثرى
ووضعوا له شاهداً أكبر من رأسه
كأنهم أرادوا أن يمنحوه في موته ما لم يمنحه السقم في حياته.
وقف ناصر إلى جانب أبيه وأخيه يتلقون التعازي.
كانت الأيدي تصافحهم واحدة تلو الأخرى، والكلمات تتكرر كصدى بعيد:
«عظم الله أجركم»، «البقية في حياتكم».
عاد الجميع إلى النزل صامتين.
8
في الأيام الثلاثة الأولى من وفاة عويد نُحرت الأبكار.
ولو كان العرف يجيز نحرها حولاً كاملاً لفعل أبوه ذلك.
فهو غني ورث عن أجداده حق الإتاوة
التي تُجبى له من قرى وقبائل
تعهد بحمايتها ورد مظالمها وما يُسلب منها:
كعرجون والزراعة والمنزول وبويضان،
وعشائر الشقيف والتركمان وطويلع الوادي. كان أخاهم بالعرف المتبع،
يسكن مواطنهم متى شاء وهم في رحابة صدر من ذلك.
إلا أن عرجون ظلت قرة عينه وموطنه في القيظ.
بصوت خافت من وراء القاطع الذي يفصل بين المحرم والربعة
نادته زوجة أبيه.
قبلت رأسه طويلاً واشتمّت ضفائره التي فاحت منها رائحة عويد.
وضعت رأسه على صدرها.
بكت بكاء مراً وأبكتْه معها.
أدار ناصر ظهره وخرج من البيت مسرعاً
كأنما يفر من جسده الحي.
اتجه إلى العبية فوجدها تُرضع مهرها الوليد.
اقترب منه فهرب المهر بعيداً مترنحاً على قوائمه الضعيفة.
وضع يمينه على عنق العبية ومسح بيساره جبينها برفق.
تمسحت به واشتمته طويلاً. اقترب المهر فأمسك به،
تأمله أدهم أغر
أذا انت الاغر
راح المهر يسحب نفسه بقوة حتى أفلت وعدا مسرعاً،
ثم عاد بالسرعة نفسها حتى كاد يصطدم به،
ليقف أخيراً إلى جانبها.
ناداه أبوه بصوت مكسور:
«ناصر… دع عنك المهر واذهب بالزاد إلى الرعاة».
حمل المزاود الأربعة على راحلته ومشى.لكن شيئًا فيه بقي عند الأغر.
مرّ بدويشر فهو يرعى أغناماً يتبعها أبناؤها الصغار
ويبقى قريباً من النزل. ثم مرّ بأخيه الكبير،
كان متوسط القامة، أبيض البشرة، دائم الابتسام هادئ.
لم يسمعه يوماً يسب أحداً أو يضرب شاة.
يتجول بين رعيته فلا تجفل منه.
9
الفصل الثالث: الثورة الداخلية والصمت الثقيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقى عليه التحية فرحّب به
دعاه أن يتناولا الزاد معاً بعد أن يُتم جولته على البقية.
اتجه ناصر إلى صالح،
كان صالح كثير الكلام عن أحوال المراعي وأماكن الكلأ الجيدة والماء.
ناوله مزودته وتابع المسير نحو الزويدي. كان الزويدي بعيداً لا يكاد يظهر خلف السراب
إلا كجبال تسبح في الفضاء.
وجده مقيّد زمله
اختار صخرة كبيرة يتفيأ تحت ظلها وقد خرجت قدماه عن حدود الظل.
رحّب الزويدي بصوت دافئ:
«أهلاً أبا المثنى…». أناخ ناصر ذلوله، ترجل وبيده المزودة،
صافحه وسأله: «هل ينقصك شيء؟»
فأجاب الرجل: «بارك الله فيك. هذه تكفي سبعة أيام،
وإن شاء الله قد أعود بعد ثلاث ليالٍ أو أربع».
انصرف ناصر يحث رحوله بعصا الخيزران،
فوجد أخاه لم يفتح زاده بعد.
أناخ ناصر راحلته وترجّل كأنّه ينزل عن ظهر سفرٍ لم ينتهِ بعد، شيء من تعب الطريق عالقًا في ملامحه،
ألقى عليه التحية فرحّب به ودعاه إلى الزاد. جلس قبالة أخيه.
رأى في عينيه شيئاً غريباً لم يعهده من قبل، شيئاً يشبه الحيرة الممزوجة بالسكينة. ابتسم الأخ ابتسامة خفيفة حزينة،
قال الأخ وهو يدفع إليه طبق التمر بصوت يشبه ظلّ الشجرة في الهاجرة:
«قل بسم الله»،
فسمّى ناصر، كانت رائحة التمر المغموس بالزبدة تفوح في الهواء الجافّ القادم من بطون الأودية.
10
رفع ناصر رأسه، وجد أخاه يحدّق فيه على نحو لم يألفه من قبل.
كان في عينيه شيء من الحيرة، لكنّها حيرة لا تخلو من سكينة عميقة،
كأنّه عاد لتوّه من مكان بعيد،
ثم قال بهدوء:
«يا ناصر… رأيت البارحة في منامي رؤيا لم أرَ مثلها ».
«رأيت رجلين… يرتديان ثياباً بيضاً كأنّها قُطعت من ضوء.
وجهاهما يشعّان بنور هادئ
يجلسان على رمل أبيض ناعم لم تلمسه قدم ، وأنت بينهما…
« تجلس في ألفة لا تشبه ألفة العابرين، كنت هادئًا، مطمئنًّا،
تتحدّثون، لكنّي لم أسمع صوتًا. كانت الشفاه تتحرّك، والابتسامات متبادلة ،
يوقظ حنينًا قديمًا لا أعرف إلى أيّ شيء ينتمي.
ابتسامات فيها وداع لا يوجع، ولقاء لا يخشى الفراق،
ثم انحنى الرجلان نحوك ببطء شديد…
وقبّلا جبينك قبلة خفيفة كلمسة ريشة، شعرت بدفء غريب بصدري،
سكت، وألقى على أخيه نظرة طويلة، كأنّه يحاول أن يتأكّد أنّه ما زال يصغي إليه.
ثم تابع:
لم يختفيا فجأة، بل امتزجا بالنور حتى صارا جزءاً منه،
أشعر، كلّما فكّرت فيك، أنّ هناك شيئًا أكبر منّا يمشي إلى جانبك.
شيئًا لا نراه، ولا نعرف اسمه،
أثره يسبقك أحيانًا، ويبقى بعدك.
كأنّ لك طريقًا لا نعرفه، لم يحن وقت انكشافه بعد».
حين فرغ من حديثه، ظلّ الصمت بينهما لحظةً أطول من المعتاد.
ثم قال، كأنّه يريد أن ينفذ إلى ما وراء ملامحه:
«ناصر… قل ما بك. لقد بلغت سنّ الرجولة».
أحسّ ناصر أنّ السؤال لم يعد عن أمرٍ يخفيه، بل عن حياةٍ كاملة لم يعرف كيف يبدأ الحديث عنها.
ناصر يريد أن يمزق وحدته ،
أن يتكلم، ويبوح بما يعتمل في صدره.، يحاول أن يقول شيئاً لا يُقال.
11
أن يعتزل صمته الطويل،
يشعر بالعزلة رغم أنه محبوب بين أصدقائه وفرسان الحي.
يريد أن يفجّر ثورته الداخلية،
أن يُخرج ذلك الإنسان الخبيء الثائر الذي يسكنه.
أن يعسّف المهر مبكراً وأن يتغنى بفروسيته…
لكن غموضه يمنعه من البوح.
يريد شيئًا لا يعرف كيف يسميه.
كرّر الأخ السؤال بصوت ألين:
«قد بلغت الخامسة عشرة.
أعلم أنك صياد ماهر لم تُخطئ رمية قط».
رفع رأسه، وسأله بدلًا من أن يجيب:
«لِمَ عزفتَ أنت عن هذا؟»
أطرق الأخ هنيهة ثم قال:
«لن أقتل ما لم يعتدِ علينا أحد… ولن أربح من دم لا ضرورة له».
تأمّله ناصر طويلًا. كان في جواب أخيه شيءٌ من القوّة التي لا تحتاج إلى سيف،
ومن الرجولة التي لا تطلب شاهدًا عليها.
لم تمرّ في خاطره سريعًا ؛ فما زال في نفسه من العاصفة ما لا تهدّئه حكمةٌ واحدة.
ظلّ أخوه ينظر إليه، ثم قال بصوتٍ خافت:
«يا ناصر… لقد أُخبرت أن صالحاً يريد الذهاب إلى الشنبل.
أوفى عامه كاملاً، ويجب أن تسدّ مكانه».
عند ذكر الشنبل، أحسّ ناصر أنّ شيئًا في المجلس قد تغيّر، وإن لم يتغيّر موضعٌ واحد من الأشياء.
ظلّ طبق التمر بينهما،
وظلّت رائحة الزبدة في الهواء،
وظلّت الشمس تمضي فوق الأودية
كأنّها لا تعرف أنّ كلمةً واحدة قد تُزيح إنسانًا عن حياته
صمت ناصر، تناول حبة تمر، ثم لملم المزودة ووضعها جانباً.
رفع جود الماء إلى فمه وشرب حتى ارتوى،
ترك رحوله ومشى نحو ربوة مرتفعة بعيدة.
أحس بنسمات باردة تمر على عقله فيبرد كل جسده.
استسلم لنعيمها لحظة، لكن ريقه بدأ يجف.
أخذ حصيات صغيرة فركها بين كفيه حتى ذهبت حرارتها،
ثم وضعها في فمه يستحلب لعابه.
سار باتجاه الجنوب.
كانت عيناه تريان «كحلا» و«رماح المنتصب»
وأودية الحماد التي تمتد نحو الشمال كشرايين يابسة.
كلما ارتقى مشارفاً عالية أحس بسعادة غريبة
كأن تاريخاً قديماً يمر به ويعانقه. وفي نزوله كانت تمر عليه أحلام اليافعين:
تلك الأحاسيس الحلوة الشجية
التي يتركها التوق في الصدر.
لقد رأى في عيون الفتيات حباً صافياً وهياماً صامتاً…
لكنه رفض الفكرة،
رفض الأسر قبل أن يبدأ
يقف يراقب النزل من بعيد. يقول في نفسه:
«آه لو كان لي جناحان مثل ذلك الطائر
فأجول حيث أشاء…لو أعرف ما وراء البحر.
لقد سحرني،
لكن رائحته ليست كرائحة الصحراء رطب ولطيف و مختلف
النقية الصافية المتجردة الواضحة البعيدة».
12
عاد بذاكرته إلى السنين العجاف
حين وصلوا إلى الجون ونزلوا قريباً من البحر.
ثم أدرك كيف يجوب البدو الأرض بحرية،
بينما لا نرى أبناء المدينة في الصحراء أبداً. «لقد رضوا بالأسر والقيد،
بالهواء الفاسد والأبواب الموصدة،
نحن لا نضع إلا رواقاً واحداً خلف البيوت
ونستقبل الكون والضيوف… تخيفهم الاوابد ،
ويسلب محاصيلهم الأسياد وجنود الغزاة.
ويأخذ أبناءهم إلى الحروب
كيف يرضون بذلك؟ أم أنها قوة تستعبد؟
مهما يكن… إنه ذل».
«إن حياة الصحراء قاسية، وهي الحرية في آن معاً.
لكنها ليست الحرية المطلقة التي لا حدود لها،
خلف الشمس، على مدى هذا الكون اللامتناهي».
ازدادت حرارة الشمس.
نتح من جسده العرق فجف على ثوبه
حتى بدا أبيضاً كالملح.
مرّ بالفرس،
مسح جبينها برفق وقال لها :
«قد كبر ابنك». فك عن يديها القيد،
عاد بها إلى البيت.
كانت والدته قد أنهت خض الحليب
واستخرجت منه الزبدة.
سكبت اللبن في حوض خشبي كبير
فشربت العبية حتى ارتوت. ربطها ناصر في حبل البيت.
استقبلته أمه بابتسامة حارة.
مازح أخته ممسكاً بجديلتيها الصغيرتين،
وأثقل عليها بالمزاح
حتى هددته بأن تخبر أباه.
لم يأبه؛ كان يدرك أنها لن تشتكيه أبداً.
أخته الصغيرة تأتي وتضع رأسها على صدره وتنام قريرة العين،
كأنها تستمد منه الأمان الذي تخاف أن يضيع.
من المراعي أقبلت الأغنام ككتل صخر متحركة.
خرج الجميع من البيت
إلا والده الذي بقي عند ضيوفه وقهوته.
13
فصلوا الحيلان التي لم تلد والخراف عن الرغاث.
أمسك دويشر بحبل طويل مغزول مجدول من الصوف والوبر
بالشباق أخذ يربط رأسين متخالفين من الغنم.
حاولت بعض الشياه الإفلات،
لكن صيحات ناصر وعصاه كانت تعيدها إلى يدي دويشر.
جاء أخوه الذي كان متزوجاً من إحدى فتيات عشيرة مجاورة
رجالاً صناديد لا ينكرهم أحد، لم يرضخوا للغزاة يوماً ولم يدفعوا إتاوة قط.
ذات مكانة اجتماعية وأسرة عريقة،و ابنة رئيس القبيلة.
رُزق عبيد بحفيد مدلل
يُلبسه الجوخ الموشى بالقصب الأصفر.
كان ينادي جده «يا أبي»، يملأ البيت مرحاً
ولا يطيق فراقه لحظة.
عاد الجميع وفي مقدمتهم الطفل
الذي داعبه أبوه دعابة ثقيلة
جعله يشتكي إلى جده:
«يا أبي هذا الرجل ضربني ودفعني !»
ضحكوا من شكواه البريئة.
دخل ناصر مع أخيه الربعة
وألقيا السلام على الضيوف.
ناداه أبوه: «ناصر… أحضر الطعام». تقدمت المائدة وجلس الجميع.
تتابع الضيوف حتى انتهوا،
ثم مسحوا أيديهم بالرفة
التي أخذت تقطر دهناً وسمنا يعكس أشعة الشمس. قدّم ناصر القهوة للضيوف
ووضع الدلة بالقرب من الجمر وجلس.
استأذن الضيوف واحداً إثر آخر
حتى خلت الربعة إلا من ناصر وأبيه.
سأله الأب عن حال الزويدي والبقية وأحوال الماشية.
طمأنه ناصر:
«إنهم بخير، والماشية على ما يرام.
حتى الجمل الذي اشتريته من قبيلة الشرارات
لم تنتابه حالة الهيجان التي كادت تفتك بي». فقال الأب مطمئناً:
«الحمد لله… قدّر ولطف».
هز ناصر رأسه موافقاً ثم صمت.
صمتاً عميقاً أتاح له أن يحلق في فضاءات الخيال
فارّاً إلى مستقبل لم يأت بعد.
14
رأى المهر وقد كبر وتروّض،
رأى أباه يهديه حصاناً وسيفاً وبندقية.
ثم حمله خياله إلى هضبة عالية
تناثرت عليها حجارة داثرة مبعثرة…
بقايا رجم قديم شاهد. نبت إلى جانبه وعند رأسه زهور اللهب القاني،
ديدحان أحمر كورود الجرح المتفتحة.
عاد اليه حلمه الغامض
وقف واستوقف عند تلك الرؤى طويلاً،
تمنى لو تنبت هذه الزهور عند قبره،
وعلى الشفق الأحمر يُكتب شيء من ذاته
فوق ربوة حزينة تحمل الحجارة الداثرة
والديدحان وطحالب القريقش.
دخل الليل دون استئذان.
لم يجد نفسه إلا في ظلمة كثيفة
وكأنه غاب دهراً عن الوجود.
اجتمع رجال الحي في ربعة أبيه.
كانت المياه قد بدأت بالجفاف فقرروا الرحيل.
مع الخيط الأبيض من الفجر
سارت المواشي ثم لحقتها الإبل في اليوم التالي.
جاؤوا بالزمل المخصية،
حُملت البيوت وركبت النساء في الهوادج والأكوار. امتطى أبوه العبية،
وأناخ ناصر رحوله فركب.
,والى حيث يجتمع الحي لتتوارد المواشي وتُحلب ويُسكب حليبها للخيل.
لن تطول إقامتهم هناك.
فهم في حل وارتحال دائم.
يجانبون الإبل ويحرسون المواشي متقلدين الحديد والنار،
15
الفصل الرابع: الشريط الدموي والرحيل إلى عرجون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسيرون باتجاه عرجون على ضفاف العاصي.
وها هم على مشارف القمقوم والجباة.
مروا بعين مهين فأقاموا فيها أياماً.
عبر الصحراء الطويلة كانت آلاف السنين تمر أمام عيني ناصر
كخيط أسود تتناثر عليه موشحات بيضاء وطلاسم كثيرة.
مرت به آلاف القبائل
تتجه إلى الشرق والشمال والغرب والجنوب
ثم تتلاشى في الأفق البعيد.
عرجون استقبلت ابنها البدوي.
جاء رجال القرية وفي مقدمتهم أبناء العمومة.
يتقدمهم شابان أسمران طويلان
عليهما لباس القرية، إنهم جزء منه
وفي عينيهما سر البادية ودماء الصحراء.
توجّه أبو دعاس بحديثه إلى حسين وهواش
اللذين آثروا الاستقرار في القرية على الترحال.
يسأل عبيد عن أحوالهم فقالوا:
«الساعة المباركة التي أتت بكم من البادية لهذه البلاد».
ذكروا أبيات الشعر القديمة:
«يا عبيد غرّبْ والقرايا دعنكْ
يمّ ديرة العرجون تلقى قوانيكْ».
ابتسم عبيد ورحب بهم.
وكان ما يدفعه أهل القرية
يتركه عبيد لأبناء عمه ثمناً لحمايتهم القرية من الغزات والطفار.
16
أقبل فارس عباءته كغيمة رملية تسبح فوق كتفيه.
ترجل عن فرسه فاستقبله ناصر ورحّب به.
سكب له القهوة وخصّه بجزور.
سمع الفارس يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله…
لقد توفي آخر رجال الأيديان، ولم يبق سوى امرأة متزوجة من رضا
الذي يرتبط مع الأيديان وأبيه بجد بعيد والمرأة لا تُحيي أصلاً،».
ترك إرثاً من إبل كثيرة، مرت ايام
اجتمع الورثة ونشب خلاف على الإرث بين أسر الجهيم».
أُعطيت المرأة حقها وفق أعراف البادية،
أما ما تبقى فوُزع على بقية الأسر.
كانت هناك بكرة قد ألفت إبل عبيد منذ زمن طويل.
وتلك البكرة ولدت حتى صار وراءها أبكار كثر.
دفع الأب كل النوق التي تناسلت من البكرة القديمة
إلى المرأة الوحيدة
رافضاً أن يدخل بيته ارث او اي شيء فيه شبهة ظلم او يتقاسه البقية.
ناصر لم يهتم لذلك.
كانت الأزمنة الغابرة تمر أمام عينيه كسراب لا ينتهي.
مرت جيوش الغزاة تمتطي البغال وتجر مدافعها.
جالت الطروش وعبرت القوافل
رأى أطياف القبائل القديمة
وقوافل أذينة وجيوش زنوبيا وتجار الأنباط وبني هلال وأبناء وائل.
من خلال ذلك الشريط الأسود.
وها هو المهر يكبر.
كبر ناصر.
كبر الأغر معه
الشهور تبعث بهما القوة
وترسل في صدر ناصر أحلام اليافعين.
17
الفتيات يراقبنه من بعيد: شاباً وسيماً يرسل ليلاً من الشعر الأسود
وقد فك ضفائره وتركها تسبح حرة على كتفيه.
لكن في عينيه غموضاً يوددن لو استطعن كشف اسراره.
على ضفة العاصي قيّد العبية لترتع في المرج الأخضر،
وضع الرسن في رأس المهر…
يروضه تدريجياً أول بداية العسف.
جلس على صخرة ودلى قدميه في ماء النهر،
يراقب الشمس وهي تغيب
والسحب تتلون بلون ورود السنا كزهور اللهب القاني.
يراها في الأفق بلون الشفق
كأنها الرجم المتناثر وقد نبت عليها الطحالب،
لكنه لا يرى للضريح نصباً.
بدأت الشمس بالزوال فقال في نفسه:
«لو أنها توقفت…».
قطع عليه البعوض والبرغش حبل أحلامه.
خرجت من بين غابات القصب غيوم من البعوض المتعطشة إناثها إلى الدماء..
تكاد تفر الإبل من هجماتها
فك القيد وفي طريق عودته رأى حنشاً أسود.
الأفعى العدو الظاهر، والعقارب… والطمع أيضاً قاتل.
ما سر هذه الترنيمة؟
لا حياة بلا غزو، ولا حياة بلا خطر.
تحدث كثيراً مع صديقه عسود عن الطمع كحبل رديء.
«نحن نريد الغزو… لماذا؟
كل ما أريده موجود: المال والإبل والخيل والأغنام،
وتاريخ متأصل بوائل.
الطمع… نعم الطمع».
18
ربط فرسه بحبل البيت
والمهر يلازمها يمسح شفتيه بساق ناصر.
فقال له:
«غداً تكون حصاني وصديقي الأبدي.
ألا يروق لك هذا؟
من المؤكد أنك رافض. تريد الحرية سننالها معا ً».
وصل الربعة.
سمع صوت الربابة في مجلس أبيه.
صوته الرفيع لا تكاد تفرقه عن ربابته.
وتضفي إيقاعات النجر على صوت الشاعر وربابته أنغاماً تخلد.
إنه الشاعر الأعمى الذي يحفظ قصص الأولين وأشعارهم.
كانوا يجلسون في دائرة حول النارالتي ترسل دخاناً أبيض خفيفاً يطرد البعوض.
رأى الوجوه بوضوح.
كان متشوقاً لسماع الشاعر صاحب الفطنة.
حين دخل ناصر وألقى السلام
قال له الشاعر:
«أهلاً أبا المثنى… لقد تغير صوتك،
أصبح فيه خشونة الرجال،
وها قد ظهر على لحيتك شعر خفيف». فأجابه: «إن الله لم يحرمك البصيرة».
تقدم الوليمة
استأذن رجال النزل وأهالي القرية وانصرفوا. وبات الشاعر ضيفاً مكرماً
نظرات ابيه لا تفارقه ، سمعه يوماً يقول:
«هما ابناي الوحيدان، وهذا ما قسمه الله لي.
تزوجت كثيراً من النساء، وأرجو من الله أن يبارك لي في ذريتي».
ولقد انقرضت سلالة الأيديان وهم سبعة رجال أشداء لا يجرؤ على حماهم ولا تُراع إبلهم.
19
نظر ناصر إلى نجمة القدر وقال في سره:
«لو أن لي جناحين لصعدت إليكِ.
أيتها الجميلة… إني أحبك..... هل تعلمين بي».
جلس مكان أبيه،
أسند ظهره إلى شداد الإبل،
وأطلق عنان فكره. وفي إغفاءة قصيرة رأى حلما
يحلق بلا جناحين فوق بحر أسود ساكن.
ونجمته تمشي على سطح الماء نحوه ببطء،
وفي يدها مفتاح صغير من نور ذهبي. فتحت به صدره برفق
وأخرجت قلباً من رمل أبيض ناصع
ثم أعادته وأغلقت صدره وصعدت إلى سمائها.
استيقظ ويده على صدره
شعر بدفء وحزن غريب.
نظر إلى السماء فرأى القمر قد ارتفع،
والمهر يقف عند قدميه. تذكر تشاؤم الحي من مهره…
ليلة وُلد هذا مات عويد.
تساءل: «من يفسر لي هذا الحلم؟
لا بد أنها رؤيا».
ربما هناك قبراً وصاحبه ينادي.
أين هو؟ من هو؟
كيف أهتدي؟» بات ليلته كأنه لم ينم.
20
الفصل الخامس: الترويض والعهد مع الأصيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع الشروق ناداه أخوه: «أطلق الإبل معهم».
اتجهت الإبل إلى جبل الرباطية
حيث منابت الروثاء والشيح والقيصوم. اقتاد الفرس وأمسك بالمهر.
وضع الرسن واللجام والخرج المملوء تراباً على ظهره
وقال له:
«لا حرية لك إلا معي. لا تخف ولا تجزع.
لا ظالماً ولا جباراً». كلما شد عليه ناصر قيدًا، قاوم.
وكلما أثقل ظهره بحمل، جثا. ثم قام.
لم ينحنِ ظهره.
قال له:
«حاول… لكنك لن تستطيع.
لا حرية مطلقة على هذه الأرض…
نظر إلى الأفق قال........ الحرية هناك... خلف الشمس ».
أنزل الحمل عن المهر بعد أن تصبب عرقاً.
مر بمزارع الذرة و البطيخ الأحمر والقثاء.
التقى بأصحابه من ملاك المقاثي.
انتقوا بطيخة كبيرة.
بخنجره شقها فتصدعت حمراء
كدم الغزال الذي اصطاده في النقعة.
مازحهم قائلاً: «ألا ترافقونني وتتركون البعوض وجند المحتل؟
سوف نرحل إلى الحماد.
21
تعالوا إلى حياة الصحراء والحرية والظباء…
قال احدهم :
الحرية التي لا تعرف إلى أين تذهب قد تصبح هلاكًا.
رد ناصر:
والحرية التي تعرف مكانها قد تكون قيدًا.
تعالوا للحرية». فاعتذروا وساروا في اتجاهين متعاكسين.
قابل صديقه عسود الذي عرض عليه الغزو
و إن لديه ذلولاً يسابق الخيل.
«ألا تريد الغزو يا ناصر؟» قال ناصر:
«إن أردت أن تغزو. عليك أن تبيع ذلولك وتشتري مهراً كهذا
وإن أقرب الأعداء وراء شيزر، وأبعدهم خلف البحر…».
كان التاريخ يمشي أمام عينيه.
قرى
قبائل.
قوافل.
جيوش.
أذينة.
زنوبيا.
الأنباط.
بنو هلال.
بني وائل.
يعبرون فوق ذلك الشريط الأسود. لا كشيء مضى،
بل كطريق طويل لم ينته.يعبرون فوق ذلك الشريط الأسود. لا كشيء مضى، بل كطريق طويل لم ينته
21
سار إلى بيته وجلس أمام أبيه سكب فنجان قهوة ولنفسه آخر
رأى في وجهه تقاسيم لوحة من السنين:
نحتها التعب والهم واليتم،
فيه الدهاء والكرم والشجاعة وفروسية البادية.
عصامياً. نهبت إبله مرات كثيرة فأعادها بقوة وصبر. وحيداً لأختين،
ربما ولّدت فيه قسوة وعدم ثقة إلا بنفسه.
ناصر يعتز بنبل أبيه.
تذكر عندما جاء والده العبيد وهم في حماد الباردة وقالوا:
«أرسلنا سيدنا، وعلى كل بيت أن يدفع ناقة».
اتكأ على نثيلة من الرمل وقال بهدوء قاطع:
«متى كنا ندفع لغيرنا؟
نحن نأخذ ما نريد. القرى تدفع لي والعشائر».
جمعوا ما قدمه لهم النزل وأدبروا. , النزل فيما بينهم لام ابيه
عاد العبيد لسيدهم وقالوا: «رفض أبو دعاس أن يدفع، وكاد يفتك بنا».
جمع رئيس العشيرة من حوله وقال:
«من يضع هذا الوسم (IH) العامود والشاهد على الفخذ الأيسر عليه أن يدفع
حين جاءه الخبر قال:
«لن أضعه إن كان فيه ذل.
سأترك إبلي غفلاً لا وسم لها.
إبلي معروفة كالنجوم».
أعجب بهذا زيد ورشيد وربيع وقالوا:
«الوسم لا يبعد دماً ولا يقرب عدواً».
22
مرت الأيام أمام عيني ناصر
عليها حوادث الدهر والنوائب والجحود
طلب الأب من ابنه أن يحمل جراباً من المال
إلى أبناء صديقه القتيل في قرية المنزول.
وذاك وفاءً لعهد قطعه على نفسه مادام حياً.
قال:
«يا ناصر. تعرضنا لغزو من عشيرة معتدية،
وكنا حينها لا نزيد عن خمسة عشر رجلاً.
وهذا الرجل ممن تصدى للغزو،
لكنه قتل مع عشوي اباوقيان في المعركة وكسرت ساق ابن راشد.
فخذ هذا الجراب وادفعه إليهم». أعطاه العبية
ووعده أن يبدأ بترويض المهر عند عودته سالماً. فرح ناصر فرحاً عظيماً.
غداً سيكون حصاناً يسابق الريح.
أحس أنه يملك السماء والأرض،
أحس بالحرية المطلقة.
سيحلق بي بالأفق عند عشيقتي السماوية، عند ساحرتي البتول.
أحس أنه ملك الريح وروضه ،
في الكون الواسع وعلى امتداد البوادي .
نعم غداً سأتوجه إلى الشرق.
خرج من البيت ونظر إلى السماء.
أمسك حفنة من التراب نثرها عبر النسيم.
وضع السرج على العبية وامتطاها.
لكزها فانطلقت بسرعة البرق. يكاد رأسه يدق بسقف السماء.
وترك شعره يسبح في الريح.
23
لا يريد أن تقترب المسافة،
أن يتوقف الوقت وهو يسبح في نشوة صباه.
اقترب من النهر فشد عنانها بقوة ,أوقفها. ما زال صهيلها يشق سكون الحقول.
عند الغروب عاد
وفي أذنيه حداء الرعاة ورغاء الإبل. مسح جبين العبية ولامس شفتيها
فرفعت رأسها شموخاً ثم وضعت رأسها على صدره.
سهر معهم ونام بإغفاءات متقطعة.
استيقظ قبل أن تتحرك عاملات البن.
أخذ سيفه والجراب وربط المهر وركب العبية
كأنه يحلق بحريته نحو ذلك الشفق الأحمر.
التفت للخلف فرأى المهر يجول بعصبية.
عاد الى الافق تلوح له ورود الديدحان
لكن الغيوم لم تصطبغ بلون ورد الجرح،
بقيت سوداء كحجارة الرجم.
بزغت الشمس وأرسلت خيوطاً من الوهج اللاذع.
مر بالقصير فرأى جنود المحتل
الذين يتجنبون التصادم مع أبناء عشيرته.
لاولاد القبيلة حق حمل السلاح في المدن والأسواق،
وتمنحهم السلطات أموال لحماية القوافل.
حث العبية على المسير:
«تحت أقدامك تقدح النار».
مر بفلاحين وبقرية صغيرة.
قال لشابين التقاهما بعد حديث قصير:
«الحرية هناك في الأفق خلف الشمس».
24
أيقظ كلامه فيهما أملاً قديماً كان قد مات.
وصل إلى القرية
وسلم الأمانة لأبناء رمضان صديق أبيه.
في عودته تمر عليه السحب والطيور
ويمر بالأودية والتلال.
استدار جنوباً ليمر بقرية صغيرة
كانت تعبد رجلاً جعلوه إلهاً لهم دون الله.
خرج نسوتها يحدقن به.
ورجال القرية يراقبونه يستعجلون خروجه.
لكنه لا يأبه. يقول لفرسه:
«لمَ العجلة؟ أم أن ابنك يناديك؟
هل تسمعين الإيحاءات؟
لا بد أن أذنيك القصيرتين
تسمعان تراتيل الملائكة ومساءلة الموتى.
أين ذلك الضريح؟
ورود السنا لم تذبل ».أين ذلك الرجم؟
يرخي الأعنة للفرس
تسير على جادات الإبل كأنها تعرف اسرار دروبه.
سمع الأذان ينادي بوحدانية الخالق الأبدي. نداء يلامس اعماقه
وصل البيت فاستقبله والده
سائلاً عن أبناء صديقه وأحوال القرية
فطمأنه عليهم.
أطلق المهر جال بحرية. تحدث إلى ألاغر بصوت خافت:
«أأحسست بالوحدة اليوم؟
غداً لن ترى أحداً سواي».
25
مرت الأيام
يقسو على المهر
يثقل عليه الحمل
يصهل يرفع رأسه ويجثو على ركبتيه
لم ينحنِ أبداً.
يزيد عليه تارة ويشفق عليه تارة أخرى
يناديه بأسمه السري كأنه يستعجل العمر, يسابق القدر.
السحب الخريفية تهب معها نسائم الشتاء الباردة.
أول زخات أيلول. جيء بالزمل هُدت البيوت وحُملت
ركبت النساء بأكوارهن
سارت الأغنام ولحقت بها الإبل.
إلى العيون والقرى البيض.
تواردت عين مهين ذات الكروم
جاوروا أهلها الكرماء عدة ليالٍ.
ثم جددوا الرحيل إلى المحسة
بئر عذب المياه وعلى سفح الجبل كلأ كثير.
تجول والده في المراعي وقال:
«هنا سنقضي الشتاء».
في اليوم الأول شد ناصر على المهر السرج
وحزمه بقوة حتى لاعب يديه في الفضاء
بصهيلاً يشق السكون.
وضع اللجام والرجل في الركاب
فاستدار المهر تمكن من ظهره ولم ينحنِ أبداً.
26
اتجه به نحو الوادي أطلقه بحرية
قدح الصوان تحت حوافره , سبح في الريح حتى ابتعدا خلف الهضاب.
رده للحي قال له:
«لقد اغتسلت بالعرق
وأصبح منخراك كفنجاني قهوة.
ألم أقل لك سوف نصبح صديقين؟
الأصيل لا يترك صاحبه».
اقترب من البئر «لا بد أنك عطشت.
لن أدعك تؤذي نفسك لأن الورد على الظمأ يورد التهلكة».
وفي ليلة الهلال الجديد
احدث ناصر طقس حضرته امه
طقس غير موجود لا يعرفه إلا هما ولا يُروى.
أخذ المهر إلى مكان بعيد.
جرح يمين المهر وترك قطرات دم تسقط على رمل نظيف تحت ضوء الهلال الضعيف.
ثم جرح ناصر يده يضع راحته على الدم ويقول بصوت واضح:
«هذا دمي وهذا دمك.
لا خيانة كأمتزاج الروح.
إن متُّ قبلك احملني على ظهرك، وإن مت قبلي دفنتك بيدي تحت نجمتي».
هذا عهد يُكتب في كتاب ولم يمارسه غيري
27
الفصل السادس: الدوحة والحدس الذي لم ينفض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخوه الذي يعاني ألماً في ظهره. يشكو وجعا شديدا
قال الأب:
«يجب أن تبقى مع القطيع يا ناصر لتعتني به فأخاك متعب». الأب يعرف أنه يكره الرعي
لقد رفضه مرات عديدة. صعد ناصر جبل المحسة.
برأس الجبل قابل رجلاً من النزل.
قال له الرجل: «أراك منزعجاً؟».
أجاب: «لا أريد البقاء مع القطيع أريد أن أروض مهري». ابتسم الرجل:
«أنا أسدك عاماً كاملاً فلي شرط على والدك». وقف على رجم الحجارة
راقب قطعان الإبل والطيور المهاجرة.
أمسك بعود رمث وخط على الأرض
ورسم زهور اللهب القاني
رسم الرجم والقوس المكسور.
مر الشتاء بقسوته
لكن الحلم لم يفارقه.
حجارة مبعثرة داثرة بقايا قبر نبتت بجانبه وعند رأسه ورود السَّنا.
في ايام تريضه للمهر صادفه عسود وقال:
«ذلولي يسابق الريح يتحمل المسافات
ويرتدي منديلاً أبيض من الزبد المنفوش.
وأنت كيف مهرك؟ لقد رأيتك تسابق الريح». نظر في عيني عسود
كانتا واضحتين لا يلفهما غموض
قرأ فيهما رغبة في كسب أي شيء وفي ابتسامته شيئاً من الدهاء.
دخلا الربعة فوجدا والده يتكئ على نثيلة من الرمل
ويقابله صديقه صلبي. كان صلبي يتحدث عن موسم الربيع وخبراء الصيقل ممتلئة ماء.
بعد عودته مع ثلة من الحي ذهبت تستطلع الماء والكلأ
حتى وصلوا البطمي
فوجدوا غدرانه ملأى
وفي طريق عودتهم مروا في خبراء حدية وأم شرشوح فوجدوهما مملوءتين.
وأعشاب الحماد تبكر في الربيع.
فقال أبوه: «غداً الرحيل». ومع بزوغ الشمس سارت الاغنام
والزمل عليها أحمال البيوت.
ناصر على ظهر حصانه يجانب الإبل
متوشحاً سيفه ومحتزما بحزام من الجلد يحمل طلقات.
23
متهيئاً لاحتمال الغزو.
تأخر والده عنهم واتجه شمالاً
قبل توارد الإبل إلى خبراء الصقيل. وقف على منيفة ترجل عن فرسه.
لحقه ناصر.
اقترب من فرس أبيه مسح جبينها ولامس شفتيها
فرفعت رأسها شموخاً ثم انحنت عليه.
نظر في وجه أبيه كانت تقاسيمه تحكي مأثوراً قد مضى.
مسح الغبار عن الحجارة المتراكمة.
قال: «هل هذا مقام ؟». أجاب الأب:
«هنا قتل رفيقي و هذه الدماء كانت لي عوناً على استرداد إبلي.
نظر الأب إلى الأفق وقال بصوت غائر:
«في هذا الأفق يتبدى التاريخ.
لا بقاء لحي إلا الحي الوارث ملكه».
روى الأب كيف استرد إبله:
«كنت وحيداً. لقد أخذت الإبل
وكان أخوك صغيراً أتاني باكياً. فاجأه الغزاة من بين تلك الرابيتين
قلت له: لا تبكِ غداً سترعى إبلك هنا بإذن الله.
كان معي رجل واحد هو رمضان
شمرنا السواعد وتوجهنا شمالاً. ونحن الند بالند
كان الصوان يقدح تحت سنابك الخيل.
وصلنا مع أول سويعات المساء إلى مبارك الإبل
أطلقنا العقل من أيديها ووجهناها جنوباً. بعد ساعة أوقفت الإبل وتوسمتها
وإذا بها ليست للغزاة.
إنها لشخص من قبيلة أخرى.
لا بد من إرجاعها لصاحبها.
أعدتها إلى مباركها».
أعدنا الكرة عليهم ثم وجهتها للجنوب.
أخذنا نطاردها حتى ارتدت عمائم بيض من الزبد.
في طريقنا اقتحمت نزل آخرين فأوقفونا وقالوا "أنتم غزاة؟
" قلنا "إبلنا رددناها" قالوا "تبيتون الليلة وغداً تنطلقون".
ولنذهب الشك عقلنا إبلنا وكان معها حوار رضيع لم يكف عن الرغاء.
قال بعضهم "إنهم غزاة وهذا الحوار تركت أمه"
عقلت يديه ورجليه فازداد رغاؤه.
قبيل الفجر أيقظت صديقي وأطلقناها بهدوء وتركنا الحوار
كان رغاؤه دليلاً بأننا ما زلنا في مضاجعنا.
لم يدركنا العدو ليسر دعاس بإبله»
24
يجول في رأس ناصر سلسلة متصلة من التساؤلات:
«هذه الأرض أخفت آثاراً كثيرة والسماء؟
أحس بأطياف تمر
أناس لا أعرفهم يرتدون ملابس لا لون لها
إن روحي تمتد في القدم».
تابعوا المسير ارتوت الإبل وغداً ستلحق بالمواشي
أنزلت الأحمال ودقت الأوتاد ثم أصبح لنجر القهوة ضجيج.
تجول ناصر في النزل لقد أصبح للأزهار عبير زكي
لكن سراب الحلم العاتي يجرفه بعيدا
كوادي مقاط الذي يجمع مئة وادي ووادي
يسلبهن ماءهن أو يرمين إليه ثقلهن.
عهد على نفسه أن يزور دوحة السنا
يغطيها بعباءته كي لا ترعاها الإبل والمواشي.
أصبحت مركز أحلامه وانفتاح قلبه إلى ما وراء الخيال
هناك خلف الشمس المحترقة في جبين نجمة القدر
متصل معها موحدين الروح.
يصعد الهضاب العالية فيجد زهور اللهب بكل مكان
و حجارة مبعثرة بقايا رجم دارس او لقبر وحيد وداثر
نبتت بجانب القبر وعند رأسه ورود السنا.
هذا قدري. هناك لاح بيمينه في الهواء
ونادى بصوت شجي عالٍ
يا الله.....
تلجلجت أضلاعه وأخذت تجاوبه الذئاب...
جثا على ركبتيه:
«إنه لي أحسها من أعماق روحي».
ثم همس للورود وابتسم.
كان أبوه قلقاً عليه.
أمه تحضنه وتعيد جدل ضفائره
تبكيه وهو حي.
ذرفت دموعها على وجنتيه. ينظر ناصر للأغر
في عينيه السوداوين الصافيتين لون السماء
فيهما غيمة بيضاء وحيدة. باح بسره لحصانه:
أنت جناحاي.
لم يعد الأغر تابعًا له.
صار مرآته.
إذا قاوم الأغر القيد،
رأى ناصر مقاومته.
إذا خاف الأغر، رأى خوفه.
إذا اندفع، رأى جنونه.
قال «لا تجزع الأصدقاء يحملون بعض
أنت صديقي
تمنيت أن لنا جناحين نجوب الكون بحرية».
25
همس كأنه عاهده على أمر ما وقال:
«لا تهتم لا يهمني ما يقال عنك
لا تهتم لنظراتهم المتشائمة أنت معي». مسح جبينه كأنه يمسح على جبين الشمس وسطح البحر.
تعاهدا على امر ما
يتخطى فتيات ينظرن إليه ما استطعن جذب قلبه تمر عليه أحلام اليافعين.
ألقى السلام على صديقه:
«أهلاً عسود هل تعلم أننا من عالمين مختلفين
ولكنني أحبك؟».
أخفت الشمس آخر خيوطها
وأرسلت شعاعاً أحمر. عكر صفو هدوئها ثغاء الشياه ورغاء الإبل
كأن مخلوقات المغيب رفعت أكفها ضارعة للخالق الأبدي حمدا تسبيحا.
دخلا الربعة وتناولا حبات التمر مع فناجين القهوة المطيبة بالهيل.
دويشر الجالس بجانب النار يفرك كفيه يأكل التمر ويحتسي اللبن
كل لحظة يخطف ناصر بصره من بين الحضور إلى نجمته
ليرى فيها ملاحم شتى
مرت عبر شريط أسود عليه موشحات بيضاء
يقرأ أشعاراً وأحاديث وطلاسم
ما استطاع تفسيرها
أطلت من الأفق حبيبته عهد لها بالوفاء
بنظرة تسمو بالآفاق ولن يطويها الغيب في عالم النسيان.
ينظر إليها بوله
لقد كانا متصلين بروح واحدة. قطع خلوته الروحية دويشر
«هذا الجمل الهائج انطلق إلى قطيع أحد الرعاة من الحي
كاد أن يمزق جملهم لولا أن خلصانهما بقوة ».
أقبلت وجوه غريبة ولغة أعجمية.
قدم لهم ما يفرضه الواجب.
إنهم جند الغزاة. يراهم كذرة غبار سقطت عليه الشمس من فج الرواق
وبينهم رجل يكسر بعينيه إلى الأرض
أحس ناصر بأنه غادر
لأن عينيه تحكيان الخيانة والغدر. نفض عنه حدسه كأنه ينفض الغبار عن منديله.
اقترب من حصانه ومسح جبينه
فرفع الحصان رأسه شموخاً ثم انحنى عليه. نظر إلى الأفق:
هناك ابتدأ الحلم وابتدأ التاريخ.
هنا على هذه الأرض يسيطر الوهم. «أصبحت حياتي مشتتة
بين الحرية المطلقة والقيود
بين حب السماء ووفاء الأرض.
عندما تلتقيان تنبت ورود اللهب القاني ».
26
لن تصعد إلا إذا نسيت أنك سوف تهوي
ولن ترتفع حتى تكون حرية او تكون من الأوابد البائدة.
وضع قدمه في الركاب وتوجه إلى الشمس.
وقف على دوحته وباح لها بأسراره
كأن بتلاتها الحمراء أكف ضارعة إلى رب السماء.
يطارده حلمه:
حجارة مبعثرة داثرة بقايا قبر
ينبت بجانبه وعند رأسه ورود السنا.
صدحت أم سالم بأنشودة الربيع الخالدة.
ترتفع بأنشودتها إلى كبد السماء وتهوي كأنها جلمود صخر
وقبل أن ترتطم بالأرض تمد جناحيها وتزغرد بأهازيج الربيع الخصب.
تخبر كل من يجاورها: «هنا بلادي وهذا بيتي»
وأخرى يغازلها طائر او يلفت أنظار الاناث. إنه حب التناسل وسر الخصوبة لدى المخلوقات.
نظر بعينيه السوداوين الواسعتين إلى ثلة من الخيالة
يراهم عن بعد. يلكز حصانه: إنهم جنود الغزاة.
يسدد بندقيته
أطلق النار. وقفوا وجالت البغال على بعضها.
كانوا يتجهون إلى تدمر.
اندفعوا باتجاه النزل
فحال بينهم وبينه
لم يكملوا مسيرهم بل عادوا أدراجهم.
خيل إليه أن ذلك الجندي الذي يغمز بعينيه إلى الأرض والذي رأى فيهما الخيانة والغدر بأنه معهم
أراد أن يخبرهم أن هذه الصحراء له وهذا الحصان قلعته وهذه الرمال دماؤه.
«إنها صحرائي إنها حريتي نعم حريتي المطلقة وامتداد روحي ومركز قلبي».
كان يعرف أن هذا قد يكلفه كثيراً.
قد يجرد له حملة من الجيش لاعتراضه الجنود
ذهب إلى أخيه وحدثه بما جرى
ووصفهم بالجبناء. قال أخوه:
«والله لن يصلوا إليك أو إلى النزل بإذن الله.
لقد رأيت في الحلم رجالاً لا أعرفهم
إنما تشرق الشمس من جباههم».
نور يشق الظلمات وهم يقبلونك»
27
الفصل السابع: الصعود إلى ما وراء الشفق الدموي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمر الأيام أمام عينيه
عبر خيط أسود عليه موشحات بيضاء.
تلك الدوحة أصبحت مركز أحلامه
وقمم الجبال أنسامه.
يرسم الحجارة المبعثرة يختط القوس المكسور
وعن يمينها يرسم زهور اللهب القاني
ينادي في الفضاء فتتلجلج أضلاعه وتجاوبه الذئاب.
يقطع عليه صديقه خلوته
ويلقى على مسامعه:
«الطبيعة للأقوى ولا تنتقي إلا الأقوى». يصل به شجون الحديث الى الكلام عن العشق
لكن كلماته لم تتعد أذنيه
لأن الفتيات لم يستطعن امتلاك قلبه
إلا تلك المستحيلة السابحة في الآفاق. «هذه الأرض سوف تبتلع كل شيء:
الماء والشجر والإنسان
سوف تخفينا , ستطوينا في غياهب النسيان».
يستمر في مغازلة عشيقته السماوية
لم تبهت بل تزداد حسناً وجمالاً ورقة.
تمر الليالي ويولد هلال ويكتمل ويأفل ويغيب في المحاق.
وكلما تأصلت شمسه
لونت السحب بلون ورود السنا والبنفسج والرمادي كلون الطحلب
الحدس الخفي يتجاوز الزمان والمكان
من هم العابرون من هنا؟
هذه أطيافهم تسبح في السراب
يلتحم السراب بالسماء وكأنه البحر
لكن لا لون له لا رائحة.
يندفع خلف التاريخ
مرّ الشريط الدموي أمام عيني ناصر، وعليه موشحات بيضاء تتلألأ كنجومٍ قديمة.
قرأ فيها اسمًا كان الحيّ يتغنّى به حتى يومه
قد بلغ من القوة والمهابة ما جعل اسمه يُذكَر مع ذكر السيوف والرماح.
يرى جدّه الكبير ستر الجهاما
وحيدًا كجبلٍ في صحراء، يطاول السماء بغاربه،
عمامته على رأسه، وسيفه في قبضته، ورمحان إلى جانب السرج
يلمعان كشهابين بالعتمة وفرسه كشقة ألماس كندافة قطن.
تتوالى الصور:
كرّ وفرّ، صليل سيوف تجز هامات الرجال، رماحٌ تشكّ الصدور، دبابيس تهشم الرؤوس، وزغاريد الفتيات تعلو فوق ضجيج المعركة.
في خلده ليست مجرد ماضٍ يُروى،
بل طبقةً حيةً من طبقات الخيط الأسود الذي يلفّ ناصر،
وطلاسمًا يقرأها كلما نظر إلى الأفق خلف الشمس المحترقة.
28
يرى في كل ذلك قدرًا يتكرر.
كصورةً لروحه لا تستطيع أن تستقر
كصحراء تمتد بلا قيد.
تمر الأحداث أمام عينيه
تنادوا بستر الجهامة. اين عقل بن عساف
كان الشعراء إذا جلسوا حول النار يرفعون أصواتهم بالقصيدة التي حفظها الصغار و الكبار:
تغنت به العشيرة :
غروٍ نشدني داعج العين
يسأل عن أطرف الجهامه
عقل زرق بالرمح زرقين
من فوق المزوي والعمامه
ناسف على متنه بريمين
هذاك شوقك يا الغلامه
ارفعي الصوت يلي تنادين
وين بن عساف ستر الجهامه
يا ستر وايل والمضاعين
نشمي وربعه نشامه
كان ناصر يسمع القصيدة فيربطه الخيط الأسود بأحداثٍ أقدم.
يرى الخيول تفرّ بفرسانها، والرعب يذهب بهم كل مذهب.
بنى له التدمريون قصرًا على تلةٍ مشرفة على المدينة،
له درجٌ عريض يصعد إليه الضيوف، ومن نوافذه
كان يرى كل داخلٍ إلى المدينة وكل خارجٍ منها.
صار رئيسًا، حتى باتت القوافل تمرّ تحت ظله آمنة،
والقبائل تهاب جانبه.وفي ليلةٍ من ليالي الغدر، اغتيل غيلة.
هشم الدبوس رأسه على درج قصره، فخضب دمه الحجارة، وعلا نواح الظعائن تبكيه.
تفر زوجته بابنه الوحيد على فرسه.
يغادر محبيه الصحراء التدمرية
ويقتحمون أحراش لبنان
أقاموا هناك أربعة عقود كاملة، حتى نادت أصوات الدماء ووشائج القربى وحنين البادية،
ولم يكن الحيّ ينسى.
يراه شامخاً يطاول السماء بغاربه
يرسل في نفسه الثورة والقوة ويزداد غموضاً.
الحدس ذلك الإحساس الخفي
وذلك الرجل مكسور العينين.
هل الدهر يعيد نفسه أيضاً؟
بعد أن تجاوز الزمان والمكان يعود من الماضي
يمسح جبين حصانه ويضع رأسه على عنقه
أحس بالتعب إنه منهك من أعماقه.
29
اتصل الشفق بالغسق والليل دخل خلسة
يضيع السكون في ضجة الحي
ثغاء الأغنام وصهيل الخيل ورغاء الإبل. والحادي
تزوره الاطياف وترحل مع النجوم
يعلن النور قدومه
غردت الطيور وصدحت أم سالم
إنها آخر تغاريد هذا العام الخصب.
ترحل به خلوته وتعيده حَمْحَمَة الاغر فيجمح معه فوق الاودية والصخور
ذبلت ورود دوحته
نثرت بذورها واختفت في الأرض.
عاد إليه حلمه ولم تذبل وروده. كلما أفاق يحس بشوق وحنين.
أمسك بيده بعود رفيع رسم ما رآه
اختط نصف دائرة. تهب رياح أيار تقتلع بقايا الربيع برمالها.
قال: «كذلك نحن حياة إلى موت الى نشور».
يثور في أعماقه:
«هل سأكون أديماً تذروه الرياح؟
إنني راحل إلى هناك فوق الأفق خلف الشمس المحترقة». تناديه أمه تحتضنه تبكيه وهو حي
تعيد جدل ضفائره السوداء الطويلة
تضمه كأنها تودعه.
نظر أبوه في عينيه
رأى الغموض قد تبدد
ولكنه مشبع بالثورة والقوة والجمال.
حاول أن يثنيه عن عزمه:
«دع عنك الطيش والوساوس
عندما نصل إلى عرجون
سأبني لك بيت الزوجية».
قد رأى في عيون الفتيات وله وعشق عذري
لكن لم يستطعن جذب قلبه. يرفض المقايضة:
«لن أبدل الحرية بشيء
سوف أبدأ التاريخ
أني موحد الروح محتد التوق مع حبيبتي السماوية
هي وحدها اخترقت قلبي».
يشد سرج ألاغر
يتوشح خصره السيف وضع البندقية وحزام الطلقات على شكل خطين متقاطعين على صدره وظهره.
لاعب الحصان يديه في السماء
وصهاله يشق في الفضاء
جاوبته الهضاب والأودية وصمتت الذئاب!
انطلق إلى الحرية المطلقة
سبح مع السحاب
مر به الزمن الغابر
واجتاز خلواته السرمدية.
30
هبط الظلام وناداه في ليلة المحاق عسود.
أناخ عسود ذلوله الذي ارتدى عمامة من الزبد المنفوش.
أخذا يزيدان النار حطباً ويتبادلان النظرات.
يبحثان عن المفقود فيتوهج الدرب فيجمحان عثراته
تبادلا ابتسامة صامتة ونظرا إلى الظلمات يدفعها الفجر بقوة
يزيح الستار الأسود عن الفلوات لتصطبغ السحب
تبادلا ابتسامة صامتة. يشد عنان حصانه حتى يقف على رجليه
ولأول مرة يسمع الحماد ضحكته
كزغرودة النصر. يجمحان فوق الاوابد يقول لحصانه:
«لابد أنك تسمع تراتيل الملائكة». وامتدت روحه في القدم عبر سلسلة متصلة من التساؤلات:
«أين تلك الحجارة المبعثرة الداثرة
وبقايا ذلك القبر؟
من صاحبه ؟
اين هو ؟
ربما يكون.. لي..»
يقف على هضبة عالية ينتظر صديقه
يلتفت إلى الشرق يرى وجه أخيه وكأنه البدر.
نسمة الغروب كصوت ابيه في استقبال ضيوفه كصدر امه كأناملها
يترجل وسلاحه ملتصق به كأسمه
وصل عسود وأناخ ذلوله.
تبادلا أحاديث التاريخ الخرافي
لم يعودا من عالمين مختلفين.
استلقيا على الأرض يراقبان النجوم
تحدث ناصر للمرة الأولى عن حبيبته.بالإيحاءات:
«إحبيبتي خدها كنور تلك النجمة
هي لا تسكن الأرض
عذراء طاهرة لم تمس من إنس ولا جان
تأسرني تبهرني
اقراطها جوهرتان عربيتان بأذني أميرة حسناء
اشناف تعكس وهج الضياء كرعثات من الشهب.
والنجوم على صدرها قلادة على جيد الريم , تختال بمشيتها بالأفق».
أنتظرها بشوق منذ رأيتها أول مرة». لم تبوح بسري ولن تفشيه
تحفظ عهدي
نارهما تنادي في الظلمات للتائهين
ربما نحب شيئًا لا نستطيع امتلاكه.
كانت تلك اللحظة بداية صداقة حقيقية بينهما.كان عسود يقترب أكثر.
خرج معه.
يتحدثان.
يضحكون.
يصيدان.
تجول الاثنان في الليل.
الذئاب تعوي.
النجوم ثابتة.
والأغر يرفع رأسه.
31
صهل الأغر ومجاول الحديد ترنو
وغير بعيد عنهم أنثى ذئب يتبعها ثلة من الذئاب. إنه حب التناسل وسر الخصوبة
يمسكان بالبنادق ويسددان لكنهما لم يطلقا الرصاص
يقول لصاحبه:
« الذئب لم يغدر ببني جنسه
إنما الصيد فيه ختل ومباغتة».
تجندا السلاح
هبطا الأودية وصعدا الهضاب والجبال.
يقطع سكون الليل عواء الذئاب لتجيبها ذئاب أخرى.
وصلا المحسة وارتوت الركائب
اغتسلا وعبئا القرب. لكز حصانه باتجاه الجبل
فناداه صديقه: «إلى أين؟».
فأومأ باللحاق به. وصل قمته والشمس أرسلت لهباً.
نزل ناصر عن حصانه
ومسح جبهته ولامس شفتيه
فرفع رأسه شموخاً ثم وضعه على صدره. وقف فوق رجم
يتذكر الأيام الخوالي
حل ضفائره وتركهما للنسيم.
واصلا المسير أياماً. تحدثا عن التاريخ والخرافة والفروسية.
طرقا أبواب حمص وولجى من باب هود. أخذا يتجولان بحرية
وتشاوروا بالتزود والخروج من المدينة. اتجها إلى العاصي.
وقفا على ضفاف النهر
يراقبان غروب الشمس وهي تلون السحب.
رأى ناصر دوحته في الأفق
فالتفت إلى كبد السماء
وجد سحابة ناصعة البياض
كقطعة القماش الأبيض التي كفن بها عويد.
هملت عيناه وتحشرج صوته.
سأله صديقه فلا يجيب.
يشيح بوجهه إلى الشرق يخفي حزنه ويجدد غموضه.
قال ناصر: «ما سر وجودنا هنا؟».
أجاب عسود: «نحن في غزو».
قال: لماذا؟
قال :لأن الرجل يثبت نفسه
قال :وبماذا؟
قال :بما يأخذ.
صمت ناصر برهة وقال :«ماسر وجودنا بهذا الكون ».لا شيء ثابت. حتى البيت.حتى القبر.حتى الإنسان.الأرض تتحرك معهم.
بدأ الخيط الأسود يلتف على الخيط الأبيض ويخفي ملامح الوجوه.
32
تخرج غيوم البعوض المتعطشة يشخر الاغر من البرغش المتطفل
اتجها إلى قرية ذات تل وتناولا الزاد وتبادلا أقاصيص التاريخ الخرافي
النظرات بين الفينة والأخرى تمتد إلى السماء
إلى نجمة القدر اللؤلؤة المتجردة.
وقف ناصر بالقرب من أكبر النواعير
كأن عويلها له , للحزين الثائر.
يشاطرهما هديل حمامتين على شجرة توت عتيقة
يحس في ناعورته التواضع
ازدادت علاقة ناصر بالناعورة الكبيرة (المحمدية )على نهر العاصي عمقاً وتعقيداً.
كان يجلس بجانبها ساعات طويلة يستمع إلى أنينها المستمر.
يرى فيها رمز الصبر الأبدي والتواضع الذي يسمو.
يرى فيها امرأة عجوزًا تصبر على دوران العالم.
كان الماء يدور.
والناعورة تدور.
والسنوات تدور.
والشريط الأسود يطول.
قال لها وهو يلمس خشبها المبلل:
أنتِ شطر قلبي الأرضي، والزهرة شطره السماوي.
إن اغتسلت من مائكِ اغتسلت من ذنوب الوجود، وإن استمعت إلى أنينكِ سمعت صوت حريتي المكبوتة.
يشعر أن النواعير تعرف ما لا يعرفه الناس.
كان أنينها يجيب عن السؤال الذي لم يطرحه
قال لعسود:
الحرية ليست أن تهرب.
وما هي؟
أن تتحول دون أن تفقد نفسك. نظر إليه عسود. فهم أن صديقه يبتعد عنه.
صار يزورها كلما اقترب من النهر كأنها صديقة قديمة أو أم ثانية.
مرات عدة تكررت عليه رؤيا جديدة :
بحر أسود ساكن، نجمة الزهرة تمشي على الماء، المفتاح الذهبي الصغير،
القلب الرملي النظيف الذي يُعاد إلى مكانه. فهم أخيراً أنها تخبره أن الحرية ليست هروباً بل تحولاً في الداخل.
إنها تسمو تزداد رفعة. اغتسل بشذرات من ماءها همس لها وابتسم
ناداه صديقه:
«ما معنى صمتك لما يلفك الغموض؟». قال:
«إني أرى السعادة في كل مكان ,
بسجع الحمام وصرصرة الشاهين وصفير النسر
وخرير الماء وزغاريد أم سالم
هي حريتي المطلقة
هناك خلف الشمس المحترقة». أشار إلى جنود الغزاة.
33
قال ناصر: «لا يوجد عدو سوى الطمع.......».
يتذكر ناصر ما ترك في صحرائه
فيرى أباه
ذلك النبيل
تمر أطيافهم أمام عينيه:
أخيه... أمه... زوجات أبيه... أخته... جيرانه... أصدقاؤه... دويشر... دلي الزويدي... خرفان... صالح... العبية......
يقترب من ألاغر:
«ماذا قلت لك؟
أم أنك نسيت هذه الاخوةالأبدية؟
أنت جناحيا و الريح
وأنت الحبيب الذي عاهدت
وأنت الأصيل الذي اخترت». التفت إلى عسود
الذي جاء بطعام حموي.
تناولا الطعام وجلسا القرفصاء. «سوف نسير مع النهر
حتى نحصل على ما نريد يا عسود.
تلك جبال الغاب من هنا تمر القوافل سنعيدها للرمال للصحراء للعشيرة». سنخوض المعركة
يشد السرج يلاعب الحصان قدميه في الريح
يصهل في الفضاء يجاوبه الأفق
يضع البندقية أمام صدره
يتوجهان إلى شيزر.
تمر عليه السحب والطيور وأحلام اليافعين
ويمر بالأودية والتلال.
بالأحاديث عن الفروسية والشجاعة يقطعى المسافات. لقد تعلما من الزمن الغابر
أن الشجاعة في الصبر.
وبمساعدة التاريخ الخرافي ماشعرا بالوقت والتعب البعيد
ثم يأتي الموت ولا يعود الماضي
إنه فوق المستحيل.
دخل الليل وخرج دون أستئذان
يلتفتان إلى الشفق الأحمر
يريان الماضي الغابر في دواثر شيزر.
يمر ببعض الحجارة المبعثرة
وقد نبت عليها القريقش. كأن الدوارس تنادي بضراعة للخالق الابدي تسبيحا
مكثا غير بعيد عن شيزر
34
الفصل الثامن: شيزر ونصف الدائرة الأخير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعدا إلى رابية. عند شيزر هاجما قافلة صغيرة ،
أقبلت ثلاث جمال محملة بالصناديق المرصعة بالودع
يحرسها رجال مدججون بالسلاح.
يستعرضان أمامهم بالركائب ويلوحون بالبنادق.
تندلع النيران من كل كل اتجاه
يتوزع حماة القافلة.
حاولا ناصر وعسود حصارهم
يقتربان منهم خلف الصخور
يدافعون دفاع المستميت
لتنهتي الذخيرة
استسلما اثنان ووضعنا البنادق على الارض.
لقد كسبا الجمال بأحمالها وأسيران وبنادق.
أطلقا الأسيرين أعزلين من السلاح.
يبرك عسود الجمال ويفتش الصناديق
وتسمع التلال ضحكته.
احد الفارين مندس خلف صخرة
يسدد على عسود
وقبل أن يطلق النار كان ناصر قد بادره بالرصاص.
يتساءل ناصر: «لم لم يفر؟ ربما أجبره سيده ربما أوعده الذهب.
ونحن ماذا نريد؟ إنه الطمع !
الطمع قاتل والحرية قاتلة نعم كالدماء كتيجان زهور اللهب كلون الشفق»
يثير عسود الجمال ويحثها بالعصا.
إلى التل القريب انطلق ناصر
رأى قافلة أخرى.
أومأ لصديقه فأناخ عسود الجمال صعد راكضاً
يحميه ناصر
قافلة كبيرة يحرسها مجموعة من جنود الغزاة.
35
بادرهم عسود أطلق النار
فشق صوتها صمت الأفق. فرت القافلة بأحمالها
بقي اربعة يحرسون مؤخرة القافلة
بأطلاق نار مستمر. يلجئون إلى الصخور لتسكن برهة.
قال ناصر:إنه الغادر
«إنه مكسور العينين الذي شك فيه من قبل.
عيناه تحيكان الغدر والخيانة».
لم ينفض حدسه هذه المرة.
يحك الحصان جبينه برأس ناصر
يطلقان النار باتجاه الأربعة
رجلان سقطى واختفى احدهم بين الصخور.
و على الصخرة الكبيرة وقف ناصر
ناداه:
«أين أنت؟ أخرج إني أعرفك».
ومن بين صمت الصخور وهدوء الأفق وسكون الفلوات
حدث دوي رهيب. أطلق الرجل النار.
رصاصة يحضنها صدر ناصر. لم يسقط فوراً. شعر بحرارة الدم تسيل.
نظر إلى الرجل وعرفه كان هو نفسه.
صاحب العينين اللتين لم تثقا بهما روحه.
تلونت السحب بلون الدم
نادى في الظلمات
عوت الذئاب و أضلاع التلال. ينظر إلى ألاغر.
يحدث الصمت
يشق سكون السماء
طلقة اخرى تدوي بالكون.
يصهل الحصان يلاعب قدميه في السماء
يسقط.
اخترقت الرصاصة جوفه يتدفق دمه وتنهمل عيناه
تنادت المخلوقات بوحدانية الخالق الأبدي.
نظر إلى السماء فرأى حبيبته تبتسم له وتزداد جمالاً،
رأى أمه تجدل ضفيرة طويلة من نور ،
و أخته الصغيرة تلوح له بيدها.ابتسم للمرة الأخيرة.
أغمض عينيه وهو يسمع أنين الناعورة البعيدة وصهيل حصانه الوفي
الذي تخلا حتى الرمق الأخير،
زرعوا حول قبره شتلات كثيرة من ورود السَّنا.
يرى حجارة مبعثرة داثرة بقايا رجم
نبتت بجانب الرجم وعند رأسه ورود برية صغيرة من زهور اللهب
الديدحان الاحمر بتلوان دمه.
36
وذلك الجبل يرتدي عمامته
يضع يده على قبضة سيفه ورمحين بجانبه مخضبين
فرسه كأنها شقة الماس بيضاء كندافة قطن
يطاول السماء بغاربه.
تلمع في عينيه رفة أبيه
تعكس ضياء الشمس تقطر سمناً ودسماً.
يطوف عليه أناس لا يعرفهم
يمتد الشريط الدموي وخيط أسود عليه موشحات بيضاء وطلاسم
الآن عرفها.
استجمع قوة أخيرة
يزحف فوق جرحه يصل حصانه ويمسح دموعه يقبل عينيه
أذنيك الآن تسمع تراتيل الملائكة انا اسمعهم معك.
غمس أصابعه في دمه ودم الأغر
مزج الدم بالدم
قال سامحني , لكننا تحررنا
رسم أثر سنابك خيل ثم نصف دائرة
يرسم حجارة مبعثرة بجانب القبر وعند رأسه ورود الديدحان
تسبح فوقهما غمامة بيضاء كقطعة قماش ناصعة
يسمع أنين ناعورته تزداد سمواً ورفعة. يخط بسبابته
يمتزج الدمع والدم. يسقيان بالدماء طحالب القريقش
ذبلت عيناهما السوداوين الواسعتين الجميلتين معا
مثل ورود دوحته.
يتنازعهما الموت والحياة ((لا يدري أي الشعورين أغلب))
يخط نصف دائرة.
كأنه كتب الوصية.
37
الخاتمة
توفي ناصر عن عمر إحدى وعشرين عاماً
ما بين قرون حماة وشيزر. عاد عسود وترك كل شيء.
وبالقرب من المنزول التقى بالاهالي وهم رحيل
متجهين إلى عرجون الوادعة على ضفاف العاصي.
بنيت البيوت وتوفيت أمه حزناً عليه.
أخذ والده رحول ناصر
يرافقه عسود ليرى مقتل ابنه
حمل أبيه الجثمان على رحوله وهو يحتضنه كطفل
وبعد وصولهم إلى قرية المنزول
دفن في التل
وقفت أمه طويلاً بعد الدفن وقالت بصوت حزين يسمعه الجميع:
الآن صار في مكانه الحقيقي.
التحقت به من ليلته ودفنت إلى جانبه أما الأخت الصغيرة رأت في حلمها أخاها يطير فوق بحر أسود ساكن ونجمة تمشي على الماء نحوه وفي يدها مفتاح من نور.
38
جُمعت أحداث هذه القصة من الأجداد والجدات وكلما رواها احدهم بكى رحمهم الله جميعاً
في عام 1987.
39
(صفحة بيضاء للتأمل)
نهاية الرواية ورود الديدحان (قصة حلم)




