Translate

الجمعة، 10 مارس 2017

خيبة وخذلان لا تمحيه اللقاءات

 
Disappointment and Letdown That No Meeting Can Erase

(( خيبة وخذلان لا تمحيه اللقاءات ))
-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ-
 أعود إليهم عبر الاستذكار
كمن يعود إلى غرفةٍ أُغلقت منذ سنوات
ليلمس الغبار على سريرٍ لم ينمْ فيه أحد.
أقرأ ما يوشمون به الهواء:
كلماتٍ خفيفة كنفسٍ أخير
يُزفر على زجاجٍ بارد ثم يختفي.
يغيبون.
ولم أعد أكترث.
الغياب صار أخفّ من حضورهم،
وأخفّ من غيابهم أيضاً. 

يحضرون فأتأمل نفوسهم طويلاً،
كمن ينظر في بئرٍ جافّة
ويرى في قاعها ظلّه مشوّهاً  
يحسبه وجهَ آخر.

بؤسٌ لا يفيه لقاء،
ولا حتى صمتٌ مشترك تحت سقفٍ واحد.
من الرائع أنني بتُّ أعرفهم
كما يعرف المريض رائحة دوائه المرّ

 في منتصف الليل،
وفي الغموض أجهلهم أكثر
حتى صرتُ أفضّل الجهل على المعرفة.
لا أتنبأ بما يتفوهون،
ولا يسيرون على أيّ طريق كنتُ أحسبه مثلى.
كنتُ أسبقهم إلى الخطأ الأول،
فأراهم خيراً مني.
ربما كنتُ سيئ القراءة منذ البداية،
اسابق الضنون بكلّ ما هو حسن وسيء،
حتى الحسن نفسه صار ثقيلَ الوطأة. 
((1))
أميل إلى حالتي
كمن يقرأ نوء السماء في ليلةٍ بلا نجوم
بلا أملٍ .
لي منهم صمتهم الجيد،
ذلك الصمت الذي يشبه لمس جدارٍ بارد
في منتصف الليل وأنت وحدك،
ولهم مني أن أتذكرهم
ولا أذكرهم أبداً.
الذكرى صارت جريمةً صغيرة
أرتكبها في السرّ ثم أتوب. 

على الجلد جرح قديم،
خافت كأثر سنٍّ على معصمٍ نسيَ صاحبه.
كلما تخثّر ونوى اليبس
تنبت أظافرهم من داخله وتطول ببطء،
فأشدّ أيديهم برفقٍ يائس
ليقلعوا أبواب النزيف
من أجل دواةٍ مغلقة منذ زمنٍ لا أذكره.

أمتصّ حبراً يستسيغه قلمي
كمن يمصّ دماً من إصبعه , يحسبه حبراً.
وأكتب على الريح نفسها
التي كانت تحمل رسائلهم ذات يوم،
ثم صارت تحمل غبارهم .
((2))
الساعي أبله،
يمرّ أمام بيوتهم ولا يطرق،
وهم مع ذلك يقرؤون ما تهدّل عن أعطافه
كأنهم يقرؤون نهايتهم المكتوبة سلفاً. 

لا أدري لماذا تلمع عيني أحياناً للأسماء.
ذلك يشبه سماع هزيمٍ بعيد
لن يصل إلى هنا أبداً،
وبريق غيمٍ يمرّ فوق أرضٍ أخرى،
أو صوت المطر 
 يسقط على ترابٍ لا أعرفه،
ورائحة التراب يعانق الماء
ثم ينفصلان إلى الأبد
كأنهما لم يلتقيا.

للواقع ممحاةٌ ناعمة
لا تخفي الوهم، تلطّخه أكثر
حتى يصير الوهم أثقل من الحقيقة.
حينها أعلم أن ما ينحت في النفس
هي أعمالي وحدها،
تلك التي لا يقرأها أحد،
ولا حتى أنا أحياناً.

لا بدّ من المتابعة والنسيان في آن،
كمن يمشي ويترك ظلّه خلفه عمداً
ثم يكتشف أن الظلّ هو الذي تركه. 
وحين يستوحش المكان
يحضرون من النفس،
ضيوفاً ثقيلين على مائدةٍ فارغة
((3))
منذ سنوات.
لا مناص من مرافقتهم
على بساط الهذيان قليلاً،
ثم أتركهم عند أول منعطف
دون أن ألتفت.

في أغلب الأحيان يتعمدون خفاياهم لينشروها،
وأنت غير معنيّ بها،
لكنهم يتعامدون سقف غرفتك
ويخرجون من أفقك ببطءٍ قاسٍ،
تاركين وراءهم رائحة عطرٍ رخيص
يلتصق بالستائر.

تلك الشرفات التي كنت تطلّ منها إليهم
صارت نوافذ مغلقة بإحكام،
وهم لا يأبهون،
ولم يكونوا يأبهون يوماً.
كنتُ أطلّ عليهم
وهم ينظرون إلى شيءٍ آخر.

لم يعد لديك مفقود
بعد أن خانتك الخطوات كلها،
واحدةً تلو الأخرى.
والكبوات لا تُحصى،
لكن الخطيئة كانت متعمدة من الطرفين،
خفيفة كقبلةٍ على جبين ميت
ما زال دافئاً قليلاً.
((4))
على الرغم من استفتاحك بالبسملة
كانت القرية مهيأة للرجم منذ البداية،
والحجارة كانت جاهزة
قبل أن تنطق الكلمة الأولى.
الغريب أنك تحمل آخر مسمار
لتدقه يداك، ببطءٍ شديد،
في النعش الذي صنعته أنت.

كل الأشياء فوق الرديم طافية،
خفيفة، بلا وزن،
كأوراقٍ ميتة على سطح ماءٍ راكد.
وحده العطر ما زال يصدح أحياناً:
أينما وليتَ يشمّهم،
ثم يذوب في الحلق كمرارةٍ قديمة.

استطعتُ أخيراً أن أختار شلالاتٍ داخلية
أعود إليها كلما فرغت الذاكرة،
مياهاً باردة تسقط في ظلامٍ لا قاع له
ولا صدى.
والرياح لم تعد تحملني رماداً.
صرتُ رماداً
لا تحمله ريح،
ولا يستحقّ أن يُذرى. 
((5))
أشدّ الرحال، وحدي،
إلى وادي السادر.
الطريق ضيق،
والدرب يعضّ القدمين برفق.
وحين يتشعّب
صوب من يحسن الكيّ،
أجد في نهايته تابوتاً مهيأً
للأيسر السادم،
مفتوحاً قليلاً،
كدعوةٍ هادئة
لا تحتاج إلى ردّ.
ينتهي مطاف كلّ ما كنت أرجو لقاءه.
حتى الرجاء نفسه يموت هناك. 
ثم لا يبقى إلا ظلّ صمتٍ آخذ،
ثقيل كرطوبة الفجر على جلدٍ عارٍ
نسيَ الدفء،
وهمسٌ يعرج نحو السماء
حلو المذاق في الفم،
مرارته في الحلق فقط،
وفي الصدر أعمق. 
((6))
عزلة محمودة.
غرفة بلا نوافذ ولا باب.
لا يزورها أحد،
ولا تنتظر أحداً،
ولا تتذكر أن أحداً كان هنا يوماً. هنا، أخيراً،
أصير أنا
ما كنتُ أخشاه دائماً:
الوحيد الذي لا يخون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
جسور اللانهاية
عقل العياش
12/3/1998
__________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Wikipedia

نتائج البحث

بحث هذه المدونة الإلكترونية