كانت الليلة طويلة، وليس هنا من يقول شيئاً. لم أكن أعرف الغد لأطمئن إليه، لكنه حلّ بلباس آخر: ظل حزين عليه وشاح أسود، ونحن معه ملثّمين، وهو أيضاً لم يجد وطنه.لقد أصبحنا في مهب الريح. لا يتعين على المقيم المغادرة، ثم إننا في انتظار ما لم يأتِ أبداً
. دائماً لا نحصل على نتيجة لهذا التعب، وأصبحنا عاجزين كمن يعاني شللاً وكساحاً
دائماً نحن لدينا مخاوف كثيرة، ليست القيل والقال، بل مخاوف المولودين الجدد: ما الذي سنقوله لهم؟ نحمل الانتظار ما لا يطيق.
أنصت أحياناً إلى الطيور في الصباح، لكنني أتمنى الليلة مجرد راحة، مثل تبخّر كيميائية رأسي، أو أغادر هذه المساحة الضيقة التي تطعنني كحشوات رصاص، بطعم السهم، بلمعة السيوف والرماح الصدئة.
لم يسمحوا لي أن أرتق صدري بخيط بالٍ، مثل يتيم نسي كيف تلظم أمه الإبرة.
إن لم تكن هناك أسباب للضحك، فما الذي يدعوني للموت؟
قضيت الليل وأنا لا أفعل شيئاً، أستمع، ولا أسمع سوى عويل عاشق لم يلتقِ بوجهه أبداً.
الفقد يجيء على هيئة غزال وقف منتصباً من اليأس، وحمّة الافتراس تفرغه من كل شيء حتى ينسى الإنسانية تحت ظلال الذهب البارد.
كلما حاولت ثني القلب فإنه يتذكر ويقول: أتذكر طفولتي؟
بريق عينيّ خلف الشموع وضحكتي المدسوسة بتعجّب.
قلت: لماذا يقاسي هذا الكسير؟
يشكو من جبيرته الثقيلة.
خلال حياتي مثل هذه الليلة، كنت آمل أن يظهر القمر كاملاً لساعة واحدة فقط، ليحيا ضحاياه.
من يغفر له؟
بوابة السماء بعيدة.
من سدّ باقي الأبواب؟
من أعطى طبعة الندرة؟
يتنزل البكاء سريعاً أحياناً من صدري، مكروهاً، لا يمكنني التغلب عليه، يعرف كيف يجثم فوق قلبي , وعندما أعترض ينسكب بلذة مريرة لا تُحتمل.
عود ثقاب يشعل الصبر من شرارته الأولى، ووهجه الصافي مؤلم حتى تصبح ضلوعي مرئية وفارغة تماماً.
ليلٌ تركني أتحدّث إلى مخيلته مع سيجارة رديئة وفنجان أنيق بارد.
ليس لدي أي حيلة في الوصول إلى قلبي،
وأنا مثل طائر نسيت أمه أن تهبه جناحاً، فيما كان جناحها مكسوراً.
الليل الرمادي يقيم حفلته التنكرية، يحلّ ليسأل عن الذين يخفون أضحيته.
ذهب بعيداً ثم عاد ليطرد السراب والأفراح التي هي نفسها آمالٌ لا تأتي إلا بعلامات الأشياء السيئة.
كان تياراً أشعث ساخطاً، يخفي ضمير العاطلين ليفرح في نجاحه الأسود.
لا يهمني ماذا تقول لي، هرير بردك وبعض رجفات ارتعاشي. صبرتُ لا كبح جماحه.
لقد نال مني.
نلتُ منه ساعة.