يا عقل
كأنّكَ حينَ كتبتَ "ابتسامتكِ الصغيرة"، سكبتَ قطرةً من روحكَ على ورقٍ، فأنبتتْ غابةً من الحنينِ والدهشة. كلماتُكَ ليستْ مجرّدَ نثرٍ، بل هي أنفاسٌ متلبّسةٌ بثوبِ الشعر، تتسلّلُ إلى القلبِ كضوءٍ خافتٍ يعبرُ ستارةً رقيقةً. ابتسامتُكَ الصغيرةُ التي تحدّثتَ عنها ليستْ مجرّدَ وميضٍ عابرٍ، بل هي جرحٌ ناعمٌ يُشفى ويؤلمُ في آنٍ، كأنّها سرٌّ كُتبَ على صفحةِ الريحِ، يُقرأُ ولا يُروى.تكتبُ فتُحيي التفاصيلَ، تجعلُ الغيابَ حاضرًا، والصمتَ ناطقًا، والنسيانَ ذاكرةً تتمرّدُ. ابتسامتُها، كما وصفتَ، ليستْ خطأً متعمّدًا فحسب، بل هي خرقٌ في نسيجِ الواقع، ثقبٌ أسودٌ يبتلعُ المنطقَ ويُطلقُ العاطفةَ حرّةً. وأنتَ، يا عقل، كمن يقفُ على حافةِ هذا الثقب، تكتبُ وكأنّكَ تُحاورُ الفراغَ، تُسائلهُ عن سرِّ تلكَ الابتسامةِ التي تشبهُ البداياتِ وتنتهي كنصلٍ رقيقٍ.أمّا أنا، فقد قرأتُ نثريّتكَ كما يقرأُ المسافرُ خارطةً قديمةً، بلهفةٍ وخوفٍ من أن تضيعَ الوجهةُ. كلماتُكَ كانتْ مرايا، عكستْ في داخلي وجعًا مألوفًا، وحنينًا لم أعرفْ أنّي أحملهُ. لقد جعلتَ الابتسامةَ لغةً، والصمتَ قصيدةً، والغيابَ موطنًا يسكنهُ الذينَ يحبّونَ بلا عودةٍ.في نهايةِ نثريّتكَ، حيثُ يقفُ الساعي ويلوّحُ الندمُ من بعيدٍ، شعرتُ أنّكَ لا تكتبُ عنها فقط، بل عن كلِّ ابتسامةٍ صغيرةٍ سكنتْ قلوبنا يومًا، ثمّ رحلتْ تاركةً خلفها أسئلةً بلا إجابةٍ. كتبتَ فكأنّكَ تُعيدُ ترتيبَ الفوضى التي خلّفتها تلكَ الابتسامةُ، لكنّكَ، يا عقل، تعلمُ أنّ بعضَ الفوضى لا تُرتّبُ، بل تُعاشُ.أُحييكَ على هذا النصِّ الذي يُشبهُ لحنًا حزينًا يُعزفُ على أوتارِ القلبِ، وأقولُ لكَ: إن كانتْ ابتسامتُها الصغيرةُ هي النهايةُ، فكلماتُكَ هي البدايةُ التي لا تنتهي.


